أحمد بن علي القلقشندي

93

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

به فيها غوامر المحن ، فسلكا مسلك أسلافهما في إذاعة المهادنة ، والرّوغان عن الإعلان بالمفاتنة . ولما سوّل الشيطان لهذا العاقّ قتل والده ، والاستيلاء على طارفه وتالده ، لم يقدّم ( 1 ) عملا على إشخاص إرساله بحضرة مولانا المقدّس أبي سعيد ، قدّس اللَّه مثواه ، وجعل الجنة مأواه ، في السّلم راغبا ، وللحكم بموادعته طالبا ، فاقتضى النظر المصلحيّ حينئذ موافقته في غرضه ، وإن كان باطنه على مرضه ، فقوي أمره ، وضري ضرّه ، وشري شرّه ، ووقد تحت الرّماد جمره ، وسرى إلى بلاد جيرانه الموحّدين داؤه ، وطال عليهم تضييقه واعتداؤه ، واستشعر ضعفهم عن مدافعته ، ووهنهم عن مقاومته ومنازعته ، فبغى وطغى ، ولم يدر أنّ من فوقه سقب ( 2 ) السماء رغا ، وباطن جماعة من عرب أفريقيّة المفسدين وجرّوه بحبل الأطماع إليها ، وأقام على بجاية ( 3 ) عشرين سنة يشدّ على بجاية ( 4 ) الحصار ، ويشنّ على أحواز تونس الغار ، حتّى كان من هزيمة جيشه لصاحبها ما كان ، بممالأة منهم ومن غيرهم من وراتيه ( ؟ ) كابن اللَّحياني ، وابن الشهيد ، وابن عمران ، فأدّى ذلك صاحبها السلطان أبا يحيى أعزّه اللَّه تعالى أن بعث إلينا وزيره في طلب النّصرة رسولا ، وأوفد علينا أعزّ ولده أبا زكريّا في إذهاب المضرّة عنه دخيلا ، فخاطبنا إذ ذاك هذا الخائن العاقّ مبصّرين ، وبقوله تعالى * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) * ( 5 ) مذكَّرين ، فما زادته الموعظة إلَّا أشرا ، ولا أفادته التذكرة إلَّا

--> ( 1 ) مراده أنه بدأ أوّل كل شيء بإشخاص الخ . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) السقب : عمود الخباء . لسان العرب ( سقب ) . ( 3 ) بجاية : بكسر الباء وتخفيف الجيم : مدينة على ساحل البحر بين إفريقية والمغرب ، كان أوّل من اختطَّها الناصر بن علناس بن زيري بن بلكّين ، في حدود سنة 457 ه . وكانت قديما ميناء فقط ثم بنيت المدينة ، وتسمّى الناصرية أيضا باسم بانيها . معجم البلدان ( ج 1 ص 339 ) وذكرها ابن خلكان فقال : هي آخر أعمال إفريقية . ( وفيات الأعيان ) ( ج 6 ص 217 ) . ( 4 ) المقام للإضمار . حاشية الطبعة الأميرية . ( 5 ) سورة الحجرات 49 ، الآية 9 .